ابو القاسم عبد الكريم القشيري
89
لطائف الإشارات
فقدناه لمّا تمّ واختمّ بالعلى * كذاك كسوف البدر عند تمامه ومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المنزّل من السماء أن المطر لا ينزل بالحيلة ، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة . ثم إن المطر إن كان لا يجئ إلا بالتقدير فقد يستسقى . . كذلك الرزق - وإن كان بالقسمة - فقد يلتمس من اللّه ويستعطى . ومنها أن الماء في موضعه سبب حياة الناس ، وفي غير موضعه سبب خراب الموضع ، كذلك المال لمستحقه سبب سلامته ، وانتفاع المتصلين به ، وعند من لا يستحقه سبب طغيانه ، وسبب بلاء من هو متصل به ، كما قيل : نعم اللّه لا تعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان ، وكما قيل : يا دولة ليس فيها من المعالي شظيّة * زولى فما أنت إلا على الكرام بليّة ومنها أن الماء إذا كان بمقدار كان سبب الصلاح ، وإذا جاوز الحدّ كان سبب الخراب . . كذلك المال إذا كان بقدر الكفاية والكفاف فصاحبه منعّم ، وإذا زاد وجاوز الحدّ أوجب الكفران والطغيان . ومنها أن الماء ما دام جاريا كان طيبا ، فإذا طال مكثه تغيّر . . كذلك المال إذا أنفقه صاحبه كان محمودا ، فإذا ادّخره وأمسكه كان معلولا مذموما . ومنها أن الماء إذا كان طاهرا كان حلالا يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة الأذى ، وإذا كان غير طاهر فبالعكس . . كذلك المال إذا كان حلالا ، وبعكسه لو كان حراما . ويقال كما أن الربيع تنورد أشجاره ، وتظهر أنواره ، وتخضرّ رباعه ، وتتزين بالنبات وهاده وتلاعه ، لا يؤمن أن تصيبه آفة من غير ارتقاب ، وينقلب الحال بما لم يكن في الحساب . كذلك من الناس من تكون له أحوال صافية ، وأعمال بشرط الخلوص زاكية ؛ غصون أنسه متدلّيه ، ورياض قربه مونقه . . ثم تصيبه عين فيذبل عود وصاله ، وتنسدّ أبواب عوائد إقباله ، كما قيل : عين أصابتك إن العين صائبة * والعين تسرع أحيانا إلى الحسد